جبهة لبنان تراوح في ملعب ” تحت الطاولة ”

د . راشد الشاشاني
• فشل الفكرة لا يمنع من تأثيرها بطريقةٍ ما .
لبنان الواحد ؛ لا يصبّ في مصلحة إسرائيل كما لا يصب في مصلحتها تقسيمه .
لا تخدم هذه الفوضى غرضها _ أي اسرائيل _ في السيطرة على خطر حزب الله فقط ، بل تخدم إلى جانب ذلك لحظة تربّص أمريكيّة ، تحاول الإستفادة من السير في ضباب أحداثٍ تُخلّفها سياسة الإندفاع الإسرائيلي ؛ المذخّر بذهول اكتوبر ، و تمرّد نتنياهو ؛ الذي يحمل في حشوته طلَبا للرضا الأمريكيّ في سعيه لتحقيق لحظة حاسمة ، كان ترمب قد أُحبِطَ لفشلها ؛ بعد اعتماده على نتنياهو ؛ لم يعد مع إحباطه هذا ؛ قادراً على منحه ضوءًا ، ولو بلونٍ غير أخضر لأيّة ضربة ، لكنّه مع ذلك : يغضّ طرفاً ويفتح آخر نحو تحرّكات نتنياهو .
يمكننا ملاحظة صورة ما تراه عين ترمب في مشهد حيرة القرار الأمريكي المترقّب ؛ في لقاء رئيس الوزراء نواف سلام لروبيو وزير خارجية واشنطن ، في صورة تفوق صورة ظهور نظيره اللبناني في موقف كهذا . حتما هناك تنسيق مع السفيرة اللبنانيّة ، هذه الأخيرة ليست منعزلةً عن الصراع بين رئيس الوزراء والرئيس عون من جهة ، و حزب القوّات اللبنانيّة مع هذين الطرفين من جهة ثانية ، لكنّ رئيس الوزراء بدا و كأنّه يريد تسليط الضوء على جهده في مقابل إطفائه عن غيره .
حين تلمع شارة كهذه ، في سماء وسطٍ سياسيٍّ ؛ تخيّم عليه فكرة الرضا الأمريكي – السعودي – القطري – عن حكومة سلام ، بما يضمن بقائها حتى نهاية ولاية الرئيس عون نستذكر افتراق الطريق بين هذه القوى الفاعلة وإنّ جمعها ميدان واحد .
حين نضع هذا الرضا في موازين حساباتنا السياسيّة ؛ لا نقبل أن نضيف فيه فكرة ” المحبّة الخالصة ” للرئيس سلام ومعه عون وكل الشعب اللبنانيّ ، ترمب لن يدخل ” سوق لبنان ” ويخرج منه قبل صفقة ، سواء أكانت سياسيّةً ؛ يستعمل فيها جوارها ، ويشاكس معها إيران وتركيّا ، أم اقتصاديّةً ؛ يحصد فيها امتيازات الابراج والمناطق الإقتصاديّة الغنيّة بالموارد .
فإذا كانت الحسابات السياسيّة تنحو باتجاهٍ كهذا ؛ فإنّ ضبطنا العسكريّ للعمليّة ؛ يقتضي : أن تتوسّع فكرة تشييد السياسة الى حدّ تمزيق متاريس موقع الاقتحام ؛ التي قد تعني إجابةً عن واحدٍ من تساؤلاتٍ عدّةٍ لا يمكننا تجاوزها ، قد لا تكون فاعلةً الآن وربّما قبل ذلك ، لكنّ الأيّام القادمة لن تترك فرصةً لتجاهلها من قبل العقلين : الأمريكي والإسرائيلي .
سبقت إشارتنا إلى أنّ العراق سيتحول إلى لبنان ثانٍ ، لكن ماذا لو كان ترمب يخطّط لتحويل لبنان الى عراق آخر ، نعني هنا فكرة الحكم الذاتي في جهةٍ ما أو أكثر ، قد لا تكون إدارة ترمب متحمّسةً لهذا النوع من الحلول ، بالذات توم براك ، لكنّ مجريات الأحداث المفاجئة لن ترحم أيّاً منهما .
في تساؤلٍ آخر ؛ يمكننا إحاطة المشهد بمزيد من الإضاءة ؛ حين نُفكّر في فائدةِ واشنطن من نزاع – او عدم انسجام – القوّات اللبنانيّة بقيادة سمير جعجع مع رئيس الحكومة سواء من طريق وزير الخارجيّة ووزير الطاقة أو _ من قبله _ رئيس الجمهوريّة ؛ في ولادة فكرة حكم ذاتي ، سيّما مع تصاعد دعوات الفدراليّة ، التي تسلك واشنطن في طريقها عادةً خَلق أقطابٍ متناحرةٍ من داخل منطقة الحكم ذاتها ، أيّ : أقطاب مسيحيّة تتنازع السلطة على المركز والحكم الذاتي ؛ بما يسمح بتمرير قنوات نحو حزب الله وإيران للتسلّل بينهما من خلال شق صف تلك الكتلة المسيحيّة ، قبل تسليمها لمشروع جديد ربّما يُزعم أنّه ” مركزيّ ” هذا ينطبق على غيرها طبعاً .
هناك تساؤلٌ تدعم الإجابة عليه فكرتنا هذه ؛ يتمحور حول ” ارتخاء ” واشنطن في موضوع الفصائل العراقيّة ؛ وهو ما يعني ” ارتخاءً ” مثله أو ربّما يغيّر شكله مع حزب الله .
واشنطن تعلن ذلك وتقصده ؛ فهل تقلب اللعب ضدّ سوريا من خلال حزب الله ؟
هل يكون اللعب بطائفة السنّة ، المسيحيّة ، الشيعة ، أم الدروز ؟
نبيه برّي أحد قطبي الثنائي ، يتقرّب من السعوديّة ؛ التي تشكّل جبهةً مناوئةً لنفوذِ واشنطن في لبنان ، وإن لم يكن ذلك ظاهراً . هذا لا يحدث بمعزلٍ عن فَهم واشنطن لتقاربٍ درزيٍّ مع سوريا من جهة ما ، وصدامٍ معها من جهةٍ أخرى ، تلتقي جهة الإلتقاء _ من خلالها _مع واشنطن ، و تلتقي أيضا جهة الصدام مع واشنطن ، لكن من طريق إسرائيل!!
فإذا علمنا أن لا مصلحة لإسرائيل بقيام دولة من أيٍّ من هذه المكوّنات ، لا بصورة المركز ولا بوضعيّة الأقاليم ، فإنّنا سننتهي حتماً إلى : أنّ اسرائيل لا تعرف حتى اللحظة جواب سؤالها النهائي : ما ذا لو قضينا على حزب الله ؟
لن ينتهي الخطر ، ما يمكن ان يخفّف من ضياع بوصلة إسرائيل ليس وجود لبنان قويّ ، بل مشروعٌ ” منصّةٌ متحرّكةٌ ” يضمن لها تحريك الفلسطنيّين ، بالذات المقيمين في لبنان كيفما شاءت ، هذا من جهة ، من جهة ثانية : ضبط الوجود السوري ، وإبعاد خطر تَشَكُّلِهِ في جماعاتٍ ذات مصلحةٍ في إقلاق إسرائيل .
قلق إسرائيل هذا ؛ لا يقلّ عن قلق هذه المجموعات من سيطرة فريقٍ سياسيٍّ لبنانيٍّ ما على أرض الحُكم ، كما لا يقلُّ عن قلق أحد هؤلاء الفرقاءِ من حيازةِ قوّةِ اللجوءِ هذه من قِبَلِ أحد التيّاراتِ السياسيّةِ .
يبدو ان حصر المفاوضات المزمع انعقادها الشهر الحالي بين لبنان وإسرائيل ” تامبا ” في اطار الوفد العسكري ؛ يأتي في سياق منسجم ، يُبعد ترتيباتٍ معيّنة عن الخلافات السياسيّة ؛ و يمنحها ليونة الحركة بين أقطاب السياسة في حال تمّ الإتّفاق على ترتيبٍ ما .
لكنّ هذه الفكرة ” وعود حكم تحت الطاولة ” تجد صدىً آخر لها ؛ في خشية فرنسا ، التي تسعى إلى فرض وجودها في لبنان بغطاءٍ سياسيٍّ ، وتوافُقٍ إيراني ، من خلال دعمها جهود منسّق الأمم المتحدة الخاص بشؤون لبنان ” جان أرنو ” في طهران ، وهو ما لا يحيدُ عن أجواءٍ أوروبيّةٍ تُبدي مخاوفاً من الزجّ بها في صدامٍ عسكريّ مع حزب الله ؛ إذا ما تمّت تلبية رغبة إسرائيل بتغيير الوضع الراهن للقوّة الدوليّة ، بعثت إشاراتها المبطّنة ” كايا كالاس ” في زيارتها لبنان .
. فهل تدعم فرنسا ” وربّما أوروبا ” فيدراليّةً شيعيّة ؟!
تذكّروا ما قلناه بخصوص التقارب الأوروبي الإيراني حول فتح مضيق هرمز ، لكن لا تَنسوا أبداً أنّنا قرّرنا : بأن الفدراليّة لا تصلح للبنان ، وإن كانت إدارة ترمب تعلم ذلك ، لكنّها تحاول التأثير من جهة ما .



