رأيثقافةسلايدرفنون

رجل بلا وطن.. وجد وطنًا بعد الرحيل

قراءة في أفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الدورة 43 (9)

كتب – جمال المراغى

لا يخلو العالم من الصراعات الثنائية والثلاثية، أبرزها الولايات المتحدة وروسيا وانضمت لهما الصين وإيران وغيرها، إنجلترا وفرنسا، الهند وباكستان، ولهذا نجد كل طرف يتصيد الأخطاء للآخر وربما يختلق ما يحاول أن يؤثر به على الصورة الذهنية للآخر، ولكن ما تصدى له مخرج بنجلاديش “مصطفى ساروار فاروقي” ليس تصيدًا ولكنه واقع ينتقد به مسلم المسلمين وشاركه مسلم آخر هو بطله الهندي “نواز الدين صديقي”، إلا أن التطرف لا يتعلق بدين أو عرق بعينه، وإنما عالق ببقاع عدة بل وينتشر بدلًا من أن ينحصر، والأسوأ فيما تعرض له فاروقي هو نبذ الشخص في بلاده لانتمائه لدين أو عرق ما، وإحساس بشع أن يجد المرء نفسه شريدًا بلا وطن.

أظهر هذا الفيلم شدة وخطورة العنصرية وتنوع صورها التي ربما يشارك فيها البعض دون أن يدرك ذلك، وهذا ما سقطت فيه البطلة الجميلة “ميجان ميتشل” التي شككت في سلوك حبيبها عند أول عثرة واجهتهما من منطلق أنه مسلم، قبل أن تتبين من أنه قتل على يد أحد المتطرفين المعروفين، وقبلها كان قد هرب من بلاده التي نبذته وتركته لمتطرفيها ينكلون به بعدما ذبحوا أبيه، وهكذا وجد هذا الرجل المسلم نفسه منبوذًا في بلاده وفي بلد المهجر وحتى في وطن حبيبته، وعجز الحب أمام التعصب الديني والعرقي، ولم يستطع مواجهة مشاعر الخوف والترقب التي لا تفارق المنبوذ الهارب.

وكما يكمن الشيطان في التفاصيل، يكمن أيضًا في الإبداع، ولكن فاروقي استطاع أن يقدم إبداعًا بدون أن يمسه الشيطان، بل واجه ألاعيبه بتنحية الأديان بعيدًا عن هذه السلوكيات البشرية الشاذة، فغالبية الأديان تدعو لعبادة إله واحد، وتحث على حرية الاعتقاد، وحق كل إنسان في ممارسة طقوسه وشعائره، أي الدين لله والوطن للجميع، ذلك الشعار الذي نؤمن به في وطننا العربي، أو نتظاهر بذلك لأننا مازلنا نتبادل الاعتداء على بعضنا البعض بذرائع دينية وتكفر كل جماعة الأخرى وتدعي أن الخالق يأمرهم بقتالها والقصاص منها، والكل يرفع راية الله وهو منهم جميعًا براء.

تعطي الموسيقى للدراما أبعادًا عديدة تفوق التصور والخيال، وقد وصفها فاروقي باقتدار فعززت التعبير عن الخوف والترقب التي لازمت المنبوذ الهارب حتى في لحظات الحب، وحتى الشهوة الفطرية وإشباعها لم تمنحه ولو قدرًا ضئيلًا من الراحة، كما عبرت الموسيقى أيضًا عن التدين المزيف الذي يتظاهر به البعض وهو يخون ويقتل ويزني، ويقوم بكل الفواحش التي نهى عنها الخالق وكل الأنبياء والرسل الذين اتفقوا جميعًا على الأخلاق وحثوا أتباعهم عليها.

وضع مخرج العمل على لسان ميتشل عبارة خطيرة تأرجحت فيها بين الجدية والسخرية “إن الخيال والكذب يمكن أن يكونا أفضل للمجتمع من الحقيقة”،  هذا الفكر الذي اجتمعت عليه كل من السياسة والكثير من الأعمال الدرامية وتسببت في جم من الكوارث البشرية المتراكمة، ومن ناحية أخرى فإن العالمين الذين خدعتهم تلك الرؤية يعيشون مع ألم مستوطن مصدره عدم قدرتهم على الهروب من دينهم وأخلاقهم وضمائرهم التي لا تتوقف عن حسابهم قط.

موضوعات متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى