فنونثقافةسلايدر

مهرجان القاهرة السينمائى (9-11)

الحب يواجه العنف والخوف

كتب – جمال المراغى

عبّر الإعلان التشويقي إلى حد كبير عن المحور الرئيسي لغالبية الأفلام الروائية الطويلة والتي حاولت أن تناقش مصادر العنف المتفشي في العالم أكثر من أي وباء، وتمثل في الظلم الجماعي في فيلم «ترتيب جديد» من قبل نظام فاسد، والفردي فيلم «هذه رغبتي» النيجيري في مواجهة أعداء النجاح، التمييز والعنصرية كالتي واجهها ابن كوسوفو من الألمان في فيلم «منفى» وضد المسلمين في فيلم «الحرب الثالثة» الفرنسي، وضد السود في فيلم «بيت الذاكرة»، وضد العرب في فيلم «شرطة» الدنماركي، والرغبة في الانتقام التي تتوحش مع النفس حتى يفقد البشري إنسانيته كما في الفيلم الفرنسي «تيدي».

وهناك أيضا الخواء الثقافي والفكري الذي يؤدي للعنف وعبّر عنه بدقة متناهية الفيلم الدنماركي «البراري»، كما رصد هذا الفيلم ظاهرة بشرية خطيرة واختبار كثيرًا ما يرسب فيه المرء عندما تضطره الظروف لأن يختار بين التصرف بالخلق الحميد وفق فطرته الطبيعية وبراءتها التي خُلق بها من ناحية، وبين التخلي عن فطرته من أجل إنشاء أو الإبقاء على علاقته مع الآخر وهذه ما اختارته المراهقة اليتيمة، أن تفرط في صدقها وتتحمل عقوبة السجن لفترة كثمن لحب خالتها وعلاقتها بها.

وصولًا إلى الخوف بكل أنواعه التي تقود المصاب بها إلى العنف في أغلب المواقف بداية من الخوف من النفس الذي دفع بطلة الفيلم الألماني «سكون» إلى الولوج في دائرة مهلكة للنفس والجسد، والخوف من الآخر كما في فيلم «نظام جديد»، كما تعرضت الأفلام لبعض أسباب الخوف ومنها الجهل بالأمور كما في فيلم «ازرع الريح»، والشعور بالضعف كما في فيلم «سكون» أو باليأس في الفيلم الكندي «حقيقة» الذي يتسبب في حالة من الجنون يمكن إلى حد بعيد أن تُحدِث عنفًا، والشعور بالفقد أشخاص أو كائنات حية أخرى أو حتى أشياء واحتياجات يتسبب في أحيان كثيرة في العنف كما في الفيلم المكسيكي «الصيف الأبيض» والفيلم الألماني «أوندين».

والجديد في عنف هذه الدورة عن الدورة السابقة أنه نال من براءة الأطفال الذين انحرفوا إليه بشكل مرضي واضح، فنجدهم في فيلم «بيت الذاكرة» ينكلون برجل عجوز بلا سبب ويعذبون كلبه الصغير حتى الموت، بينما المراهقان في فيلم «50 أو حوتان يجتمعان على الشاطئ» يقومان بإيذاء نفسيهما والآخرين وصولًا إلى ارتكاب جريمة قتل ثم الانتحار دون مبرر، ويبدو أن صانعي الفيلمين تعمدا أن يغيّبا الأسباب والمبررات، لإدراكهم أن الفوضى المجتمعية الدولية التي خلفها الطمع والجشع السياسي والاقتصادي والعسكري في القرية الأرضية الصغيرة جعل من المستحيل حماية الأطفال وعزلهم عنها.

اتفقت بعض الأفلام على مقاومة الخوف وترويض العنف بالحب في صور مختلفة، ففي فيلم «طفل» قاومت بطلته الخوف بغريزة الأمومة، ورفضت اغتيال الطفولة على يد الأشرار والمعتوهين، قادتها الغريزة في المطلق حتى بعد أن فقدت ابنها ووجدت آخر يتعرض للخطر، وجعلتها أيضًا تهزم العنصرية ضد السود ببساطة شديدة، وكان الانتماء وسيلة كذلك لقهر الخوف، الانتماء للآخر سواء كان قريب في أفلام «الصيف الأبيض»، «ذهب» و«مجرة أندروميدا» أو غريب في أفلام «القلعة»، «الخوف» و«العالم القادم»، كما واجهت الفتاة العنف بالإيمان بالحقيقة والحب واليقين في أن الخير سيسود في النهاية في فيلمي «التربة الحمراء» و«ازرع الريح» إذ قاوما الخوف الذي يؤدي حتمًا للعنف بالعمل الجاد ومنح العقل الفرصة ليتحد مع القلب ويقود المرء للحقيقة أو بر الأمان.

اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب يمكن أن يدفع الخوف بعيدًا أيضًا، ولا يترك مجالًا للعنف، وهو ما يحتاج لتحدي مع النفس قبل الآخر، ففي فيلم «نادية الفراشة» قررت الفتاة أن تعتزل السباحة بعد أن حققت إنجاز لبلادها ولنفسها في الأولمبياد ـ الذي لم يُقام بعد ـ وتطلب هذا أن تجاهد نفسها حتى تتصالح معها وتجد السلام لها، وفي فيلم «الاستعدادات لنكون معًا لأجل غير مسمى» اختارت الطبيبة المبدعة أن تنهي رحلتها العملية الواعدة وتكتفي بما حققته من أجل خوض تجربة الحب الصحيح في الوقت المناسب، وقوتها منحت حبيها الدافع والقناعة ليتحدى ويشاركها التجربة، ويجدا السلام لنفسيهما، فلا متسع لخوف أو عنف.

 

موضوعات متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى