رأيثقافةسلايدرفنون

“قمر أزرق”.. جفاء وزيف ورياء

قراءة في أفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الدورة 43 (8)

كتب – جمال المراغى

أصاب البعض الفزع لعدة أيام ثم كأن شيئًا ما كان عندما قتلت باحثة بإحدى الدول الأوروبية المحافظة أو هكذا تصدر صورتها الذهنية للعالم، وذلك حين قامت ببحث مسحي أثبتت فيه أن أكثر من ٨٥ في المئة من الفتيات في بلادها يقمن علاقات قبل الزواج، وأخرى هربت من بلادها بعدما نشرت دراستها التي تفيد أن هناك طفلًا إلى ثلاثة يتم التخلص منهم بعد ولادتهم دون زواج، وأن سبع عمليات إجهاض على الأقل تجرى في بلادها يوميًا، وهكذا يهان الإنسان الذي كرمه الخالق، ويساء لعلاقة المودة والرحمة التي أنعم عليهم بها، وبين هذا وذاك يظهر قمر أزرق.

وسط الابتسامات والضحكات في الدراما التليفزيونية وجدت الممثلة الرومانية الشابة شيء من المرارة، أخذت تزيد بمرور الوقت مما جعلها تشارك رفيق لها في كتابة فيلم بعنوان “غير شرعي” وأوكلت له مهمة إخراجه، ولكنه جاء رومانسيًا وحالمًا وبعيد عما تشعر به، لهذا قامت بمفردها بكتابة نص جديد وضعت له عنوان قمر أزرق وقررت إلينا جريجور أن تخوض به تجربتها الإخراجية الأولى، تناقش فيه أحد أسباب المرارة التي تشعر بها وما يؤرقها، لتجد نفسها بين ظفرين؛ ادعاء العفة من ناحية، ومن ناحية أخرى اللجوء لإقامة علاقة جنسية غير صحيحة هروبًا من الأمراض العائلية المزمنة والتي يضخمها تجاهلها بل ودعمها من المنتفعين أحيانًا.

فرغم تفشي إقامة العلاقات غير الشرعية في بعض البلدان ولكن العائلات بها تدعي عفة بناتهن، وخاصة نسائها، في الوقت الذي يتفاخرن فيه بفحولة أبناءهن ممن يقمن علاقات قبل الزواج، فمع من إذن يقومون بهذه العلاقات، هذا التناقض اللاذع كرس للكذب والرياء عند الأجيال اللاحقة وجعل كل ما هو ممنوع مرغوب وخاصة خلال مرحلة المراهقة، التي تتسم في أحيان كثيرة بالتمرد، إلا أن هناك أسبابًا أخرى أقوى وأكثر إيلامًا تدفع الفتيات إلى الخطأ وهم يدركن ذلك، ولكنهن يعتقدن أن في هذه العلاقة أو تلك إنقاذًا لهن من واقعهن القاتل للنفس قبل الجسد.

وعندما يتسابق جميع أفراد عائلة الفتاة على تقييدها وفرض أحد أبناءها للزواج منها رغمًا عنها  ويحدث هذا على الأغلب في القرى والبلدات الصغيرة حيث يكون هذا الشخص المفروض عليها إما عجوزًا يخيفه صغر سنها، أو جاهلًا يغار من علمها وتطلعاتها، وفي كل الأحوال يكون العنف هو وسيلة هذا أو ذاك ليشعر أنه ومهما تفوقت عليه فهو سيدها وعليها أن تنصاع له بمباركة أفراد أسرتها أو بعضهم، وهنا لا تجد الكثير منهن ما تملكه غير جسدها، فتسعى للتصرف فيه كيفما شاءت حتى تشعر بالحرية وهي لا تدرك أنها بدورها تساهم في إهانته،  وقد تتحول لسلعة رخيصة أي كان ما ستجنيه من مال، وحتى وإن كانت العلاقة وسيلة للهرب، فلن تبررها الغاية، لأن آثار ذلك المادية والوجدانية  لا تمحى وتبعاته التي ربما تناقشها  إلينا في عمل آخر خطيرة للغاية مجتمعيًا.

يتمسك الجهلاء بعادات وتقاليد بالية لا تستند إلى أي سنن دينية أو مبادئ أخلاقية، ربما كانت لها حجتها عندما عمل بها السابقون، فكل ما وضعه الإنسان من قواعد وقوانين لها عمر افتراضي بخلاف ما تتضمنه النصوص السماوية وتصلح لكل زمان ومكان، بل عندما تتحلل هذه العادات والتقاليد يبقى منها شرزمة أفكار لا يغادرها من يجد فيها مصلحة شخصية ولو على حساب البشر اجمعين، فابن العم الذي يدرك أن ابنة عمه أكثر علمًا وثقافة ولكنه يطمع في امتلاكها ولا اقول الاقتران بها، ولأن الزواج يحتاج قبول متبادل، هو بهذا يعبر عن أنانيته والتي لا تأتي إلا من جاهل، وليس المقصود به عدم القدرة على القراءة، بل عدم الوعي والفطنة التي تتسبب في توتر العلاقات مما يحدث جفاء بين أبناء الأسرة الواحدة ويؤدي إلى تفكيكها، يضاف إلى تفسخ المجتمعات الذي أحدثته الثقافات الشاذة، ومجازًا نسميها ثقافات، والتي تسللت إلى الحضارات الراسخة التي بنيت على أسس، جعلتها كلما مرضت تشفى ولكنها لا تموت.

موضوعات متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى