رأيثقافةسلايدرمنوعات

أمي الصغيرة.. ومضات بين شغف القلوب والعقول

قراءة في أفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الدورة 43 (10)

كتب – جمال المراغى

طرح هذا التساؤل مئات المرة مرئيًا ومسموعًا ومقروءًا ولم يتوصل المتباحثين والمتناقشين لإجابة قاطعة مانعة لماهية الفيلم السينمائي الحقيقي، واسمحوا لي أن أتجرأ وأحاول الرد على هذا التساؤل بالعودة لأصل ونشأة الصورة السينمائية وفلسفتها البصرية، وأقول، لتعرف الفيلم السينمائي الحقيقي؛ قم بإلغاء الجمل الحوارية واكتفي بالتعبيرات التي من المفترض أن تخاطب اللب والوجدان فإن أدركت ما تتابع واستمتعت به، فأنت أمام فيلم حقيقي، وهو ما أهدته المخرجة  الفرنسية “سيلين سياما” لجمهورها  في تجربتها الروائية الطويلة الجديدة، في تحدي جديد للخداع البصري والأداء التمثيلي المصطنع الذي تعج به شرائط السينما الكثيرة العدد، ولكنها جعجعة بلا فكر أو إحساس، لا تمت بصلة لما كان يصبو إليه “الأخوان لوميير” وغيرهما من آباء السينما في العالم قبل أن تُختطف وتفقد الكثير من أحاسيسها ومعانيها بل ومتعتها أيضًا.

كان لدى سيلين وفريقها توجه واضح بالاستعانة بأقل الجمل الحوارية التي تتسم بالانسيابية وتمنح العمل ما يحتاجه دون استرسال غير مجدي ولا معنى له، والتركيز على سلسلة من التعبيرات الدقيقة والمحكمة الرؤية ومضبوطة المشاعر، فهي تظهر قيمة الدفء الذي يجب أن تتسم به العلاقات الإنسانية، والبراءة التي بات فقدها اعتياديًا هذه الأيام، ويستغرق المرء وقتا حتى يفيق من سكرات الحياة، ويدرك قيمة ما فقد ويصعب تعويضه، ولكن استعادته القدر اليسير منها إن أمكن يمنحه طاقة إيجابية تتدفق منه إلى من حوله وتحميه بل وتساهم في حماية من حوله من الجفاء المنتشر وتدفع الأذى بعيدًا عن الوجدان وهو المصدر الوحيد لتجدد تلك الطاقة، والأمل في زيادة أمد الإنسانية على الأرض.

اختيار المخرجة لطفلتين توأم “جوزفين وجابرييل سانز” للشخصيتين الرئيسيتين أحدث ارتباكًا مقصودًا لجذب انتباه المتفرج لخيط رقيق للغاية ولكن لا يجب تغافله، مفاده أن السينما يمكن أن تقدم رؤية جميلة ونقية تبعث التفاؤل في متابعها، وتداعب خياله وأحلامه، وتمتاز لتأثيرها القوي فيه الذي يمتد ويعيش معه فترة ليست بالقصيرة ومع تجدد مثل هذا التأثير يضمن هذا المتفرج تنحية المشاعر السيئة داخله ومن ثم أي سلوكيات غير سوية يمكن أن تصدر عنه، إلى هذا الحد يمكن أن يكون تأثير السينما إذا أحسن إليها ونالت رعاية سليمة، وخاصة الجوانب الحسية فيها.

تحاول سياما ورفاقها في “أمي الصغيرة” مقاومة ومطاردة الشوائب التي طالت نظرة الكثيرين في العالم تجاه الأطفال وأنهم جميعًا فقدوا براءتهم كما أظهرتهم العديد من الأفلام خلال السنوات الأخيرة، بينما هم في حقيقة الأمر براعم تحتاج لحماية ورعاية، وأجواء نقية لتعيش طويلًا محتفظة بما خلقت عليه، وتخيلوا أن الغابات بطبيعتها الصعبة باتت أكثر ملاءمة لذلك من العالم الذي صنعه البشر خشنًا يغتال الأرواح ويدمي النفوس ويؤلمها، بل وبدت الغابة التي اختيرت محلًا للأحداث مثالية لما تحتاج إليه لتعيش وتقوى.

يكمن أيضًا سحر هذه السينما في أنه يأخذ محبيه إلى منطقة لا يدركوا الواقع من الخيال، بل ومن الأفضل ألا تحاول أن تدرك ذلك، وإنما سايره وعش معه قدر ما تستطيع، وهكذا يمكنك أن تستمتع  بما تراه عينيك ويشعر به قلبك بدون أن يعمل عقلك الحاضر أو يبذل أي جهد، بينما عقلك الباطن، وبدون عناء منك، يقوم بتحليل الإشارات وتخزين تأثيرها الإيجابي في هيئة معلومات مفيدة تستدعى عندما تحتاجها، الأهم ما يعبئ من مشاعر يدفعها لوعيك بانتظام لتقاوم بقوة كل شعور سلبي ويجعلك تحس براحة دائمة طالما حرصت على تلقي مثل هذه الجراحات من الطاقة الإيجابية، وما أروعك أيها الفن عندما تكون نعمة لا نقمة، وسبحان من سخر لنا هذا.

موضوعات متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى